السيد محمد حسين الطهراني

15

معرفة الإمام

أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ . « 1 » وقوله : وَلَا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ بمنزلة الاستثناء . فقد بدّل المخلصين بالشاكرين وليس إلّا ، لأنّ الشاكرين هم المخلَصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم ، ولا صنع له لديهم . إنّما صنعه وكيده إنساء مقام الربوبيّة والدعوة إلى المعصية [ وأنّ آلته الحادّة وسلاحه كليلان لا يؤثّران في هؤلاء المخلَصين الغارقين في بحر ذِكر الله والتوجّه إليه ، والذين لا تصدر منهم المعصية كملكة متمكّنة في نفوسهم ] . وممّا يؤيّد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة أحد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات : إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ . « 2 » مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها : وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ، وقوله فيما بعدها : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ . وقد عرفتَ أنّه في معنى الاستثناء ، [ فهذه كلّها تدلّ على نفسها بنحو أبلغ ] . فتدبّر فيها [ أي في الآية ] واقضِ عجباً ممّا ربّما يقال : إنّ الآية ، أعني قوله : إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ ناظرة إلى ما روى أنّ الشيطان نادى يوم أحد : « ألَا قد قُتِل محمّد » فأوجب ذلك وهن المؤمنين وتفرّقهم عن المعركة ! فاعتبر إلى أيّ مهبط اهبط كتاب الله من أوج حقائقه ومستوى معارفه العالية ؟ ! فالآية تدلّ على وجود عدّة منهم يوم أحد لم يهنوا ولم يفتروا ولم يفرّطوا في جنب الله سبحانه سمّاهم الله شاكرين . وصدّق أنّهم

--> ( 1 ) - الآيتان 16 و 17 ، من السورة 7 : الأعراف . ( 2 ) - الآية 155 ، من السورة 3 : آل عمران .